Follow by Email

22‏/04‏/2013

زيارة الى الفرع 999 "نص قديم"

-1-


أسوأ ما في قيلولة بعد الظهر الإستيقاظ و خاصة أذا أستيظ "المقيل" قبل أن تنتهي الحصة الزمنية المخصصة له،ا و يزداد الأمر سوأ أذا كان سبب الإستيقاظ شخصين بملابس الجينز المحلي و يحمل أحدهم بيده مفكرة محشوة بالأوراق و يقول أنت مطلوب للمخابرات من الفرع "999",أيقظتني والدتي بلهفة معجونة بالخوف فركت عيني بكسل ,و بحلقت فيها مستنكرا,عاجلتني بالقول : 
في أتنين شباب بدن ياك 
لم تمهلني أن أسألها عنهم و تابعت :
عم يقولو أنن أمن
,تسببت الكلمة الأخيرة بإنتزاع ما تبقى من وسن في عيني، و تيبس التثاؤب الكسول على فمي المفتوح على آخره متحولا الى ذهول و تساؤل.

أسرعت الى الباب الخارجي حيث وقف شابان يتململان بصبر نافذ بادرني أقصرهم فورا:
هنت الواوي

,أردت أن أمتص شيئا من صبرهم النافذ, فقلت لهم :
أتفضلو...ليش واقفين بره
,رمقني القصير بنظرة نارية مصره على الوقوف خارجا و أعاد سؤاله :
-هنت الواوي...
-أي ..أنا خير
فتح الشاب القصير الذي يلبس الجنيز المحلي دفترة و بدأ يقلب أوراقه الكثيرة, لم يكن بحثه منظما فتساقط الكثير منها على الأرض , سارع و رفيقه الى لملمتها و أبعداني "لطف" عندما حاولت أن أساعدهم.أمسك القصير بيده ورقة معينه و نظر فيها قليلا و قطعها الى قطعتين ناولني أحدهما ,نظرت الى الورقة الصغيرة وجدت أسمي مكتوب بحروف كبيرة و لون غامق ,أراد القصير أن يكتب شيئا في القسم الباقي من الورقة, فأنتبه الى أنه لا يحمل قلما لكز زميله الطويل الصامت بكوعه قائلا:
- معك قلم....بو عذاب
مرر "بو عزاب" يده بحركة ميكانيكة الى جيبه العلوي و جيب بنطاله الخلفي و هز رأسه نافيا,سألني القصير بنزق و كأنني مسوؤل عن عدم وجود قلم معه:
- عندك قلم
أسرعت الداخل و أحضرت قلما أخذه من يدي و كتب شيئا على ورقته ثم ناولني أياه قائلا:
- وقع .هون..
..حاولت أن أقرأ ما في ورقته و لكنه زجرني بحده
--وقع بسرعة
وقعت بسرعة فسحب الورقة من يدي و دسها في مفكرته المتخمة و ناولني قلمي..نظرت أليه و ابتسمت في وجهه:
- خليه..مومشكلة في عندي غيرو..و يمكن أن تحتاجه
أخضر وجه الشاب غضبا و صاح:
-خود قلمك
أخذت قلمي و سألت مباشرة :
-"خير شباب شو بدن مني بالفرع"
أحس الشباب بأهمتهم القصوى و هز المتكلم كتفيه بقلة أكتراث ثم أبتسم فرحا بسؤالي:
" و الله نحنا ما منعرف..بكره بالفرع بيقولولك"
-" طيب يعني ما عندكن ولو فكره بسيطة عن الموضوع"
-أزدات أحساس الشباب بأهميتهم و اقترب القصير مني و قد مط عنقه زهوا :
" حتى لو منعرف,,ما معنا أمر نقول..لا تنسى بكره الساعة تسعه الصبح بتكون مزروع قدام باب الفرع.لا تتأخر".

حاولت أن أعود الى قيلولتي مجددا أو حاولت أن أمثل ذلك حتى لا تتهمني عائلتي بالجبن,طبعا هربت مني كل رغبة بالنوم أو الراحة و ثبتت أمامي ناظري ورقة بائسة فيها أسمي و أستدعاء ملهوف للمثول أمام القسم "7" في تمام الساعة التاسعة صباح اليوم التالي في الفرع "999",و بذيلها ملاحظة هامة تقول "بأنهم سيطبقون بحقي الإجراءات القانونية في حالة عدم حضوري" أستعرضت مجريات أحداث اليوم الفائت و اليوم الذي سبقه و الأسبوع المنصرم كله محاولا أن أجد شيئا يستوجب استدعاءا فوريا بهذه الخطورة الى فرع يحمل هذا الرقم المميز,ربما وشى بي أحدهم فأنا كثير التذمر بمناسبة وبدون مناسبة لا تعجبني برامج التلفزيون و لا المذيعات و لا تعجبني أنظمة المرور و اسخر من المباني الحكومية وقد نبهتني أمي مرارا الى أنني "أنق مثل النسوان و لا يعجبني العجب و لا الصيام برجب" و كانت دائما تقول بعد كل تذمر مني :
"الي مو عاجبو حدا بيكون مو عاجب حدا"
قلبت كل ما قلته سابقا و ماسخرت منه وجدت أن معظم ملاحظاتي ذات طابع عام لا تصل الى ربع ما يقوله ياسر العظمة في مسلسل مرايا,فكرت بأن أحدهم كتب عني تقريرا للمخابرات لسبب ما.لم أجد عدوا يصل به الأمر الى هذا الحد و عللت نفسي بأن الأمن ليسوا حميرا لهذه الدرجة فيصدقوا كل ما يقال لهم, ثم لو كان الأمر خطيرا لقبضوا علي فورا و لم يرسلوا لي أثنين ليسلموني ورقة نظامية.

لم أختبر مثل هذه التجربة مسبقا و ليس لدي دراية بكيفة التعامل مع رجال الأمن و لا أعرف كيف يبدو فرع الأمن الداخل, و لكن سمعتهم "غير الجيدة" تدفع الخيال نحو مجالات مخيفة و قد حدثني "مهرب سابق" كيف قبضوا عليه و كيف جرجروه من فرع الى آخر لمدة عامين و في الآخر "طلع براءة" لم يقل لي أنه ذهب الى محكمة و لا زالت براءته لغز غامض بالنسبة ألي,لكن الذي لصق في ذاكرتي "كالزقة الفرنجية", اساليب التحقيق العجيبه و قد كان يعدد أسماء طريفة و هو يضحك بملىء شدقيه عندما يذكرها من قبيل "بساط الريح, عشاء بالمريديان,.." لا توحي اسماء كهذه بألم و كنت أصاب بالدهشة كيف يستطيع هذا الشخص أستعادة مثل تلك الذكريات بهذه الطرافة المفرطة و كأن الأمر فعلا مجرد نزهة على بساط الريح أو غداءا في أحد مطاعم المريديان..,عندما كان "المهرب القديم" يحدثني عن يومياته كان يثير في الضحك قسرا و لم أحس بألم عندما كان يستفيض في شرح ما يحدث على بساط الريح , بدا الشعور مختلفا الآن و أنا أستعيد كلماته التفصيلية و نظراتي معلقة بالملاحظة الهامة التي تتذيل الإستدعاء.عن الإجراءات "القانوية"

فكرت بعدم الذهاب و لكني خفت من الإجراءات القانونية التي سيتخذها الفرع "999" و قد كتبت هذه الملاحظة بخط اسود ثخين,تخليت عن فكرة الهرب لم أجدها جيدة فأنا رجل قليل الحيلة و لا أعرف اساليب الإختباء و التخفي و لن يجرء شخص واحد ممن أعرفهم على أيوائي, ثم قد يكون الأمر مجرد إستدعاء روتيني و قد أضع نفسي في ورطة حرجه بهربي,تركز تفكيري في كيفية مواجهة المحققين بعد أن عزمت على الإمتثال للإستدعاء, و قد تخيلت رجالا أشداء بشوارب غليظة معقوفه و عصي قاسية أو سياط طويله لا يحسنون إلا الضرب, قررت أن أكون متماسا لأن التماسك مطلوب في مثل هذه الحالات و قد يصيبهم تماسكي بالإرتباك,و هذه نصيحة تلقيتها من المهرب السابق فقد قال لي يجب أن تبدو "رجلا" أمام المحققين صلبا و أياك و الإنهيار فعندها سيزيدون من جرعتهم الإعتيادية,و لكني نسيت أن أسأل المهرب السابق كيف يمكن أن ابدو رجل,ربما قصد أن لا أصرخ عندما ينهالون علي ضربا بالعصي و أن لا أتوسل أليهم, و لكن هل يصمد أحد أمام الألم بحثت في ذاكرتي عن رجال قرأت عنهم ممن قبض عليهم الجستابو و استطاعوا الصمود أمام التعذيب و لكن المشكلة أن جميع هؤلاء الرجال ماتوا في النهاية,لم تكن القفلة مريحة فأزحتهم عن مخيلتي و أستحضرت قصص أخرى لرجال جندتهم المخابرات و أغدقت عليهم نساءا و أموالا كان الأمر ألطف قليلا و لكن مازال الأمر ماثلا أمامي يجب أن أكون صباحا في الساعة التاسعة في القسم 7 من الفرع 999

يتبع...

18‏/04‏/2013

مقابلة مع بقايا رئيس



ظلت أقنية النظام تلفت عنايتنا ساعتين قبل ان يظهر اللقاء المرتقب مع بشار الأسد،و قد أعتاد في الماضي ان يقيم مهرجان خطابي بهذه المناسبة في قاعة عامة. القاعة التي ظهر فيها بشار الاسد كانت معتمة و كأنها حانة بجدران مكسوة بالخشب المعتق و ظلال مكتبة بجوار الحائط و كانها متراسا يحمي قناص. جلس أمامة محاوراه منكمشان في كرسيهما و كأنهما معتقلان، لم تتحرك عيونهم الأربعة عن وجه "الرئيس" و لم تسترق نظرة واحدة الى الورقة البيضاء اليتيمة الملقاة على الطاولة،ظهرت في صدر القاعة لوحة مرسومة بالأبيض و البني لوجوه مشهورة في مواجهة الوجود الفرنسي و دحش رأس حافظ الأسد على رأس القائمة، و خلف "الرئيس" الذي يستعد لمواجهة الأسئلة وقف العلم الأحمر ذو النجمتين بخفر وَجِل و كأنه يداري وجوده بجسد "الرئيس".

ظهر بشار الأسد اكثر نحولا و لم تعكس ربطة عنقه السوداء حزنا حقيقيا، جلس و ظهره ملقى بالكامل على مسند كرسية و مع ذلك لم يبدو مرتاحا و كأنه ضيف يشعر بثقل ظله على مستضيفة، فصل نفسه عن محاورية بطاولة مستديرة فارغة إلا من ورقة بيضاء. الأسئلة المقتضبة و السريعة والمارة على منخل دقيق الثقوب "جوبهت" بأجوبة مطولة بعضها مشوش أسرف فيها بشار الأسد بإستخدام يديه وصل الى حدود "الشوبرة" ولم تقدم تلك "الشوبره" لأجوبته اي مساعدة توضيحية

قلد بشار الأسد "الرؤساء" و حاول ان يفرض جوا رئاسيا رزينا على القاعة المعتمة و ساعدة المذيعان بخفض نبرة صوتهما و حرصا بخوف مجبول بالحياء على عدم المقاطعة لذلك سرح بشار الأسد "براحة" في حديثه الى درجة "التخبيص"، و توقف عندما أراد أن يتوقف، كان المذيعان يصمتان لحظة ليتأكدا بأن "الرئيس" أنهى ما يريد قوله قبل طرح السؤال التالي.

كرر "الرئيس" أقوالة و لم يضيف حرف واحد و كان "صادقا" عندما قال بأنه كان ثابتا في موقفه من البداية، المعارضون و المتظاهرون و المسلحون شخصيات واهية بالنسبة له و هي اهداف يتم التسديد عليها رشا و دراكا دون أن يرف "للوطن" رمشة عين، و "أعترف" بوجود شهداء تصادف أن بعضهم اكراد وطنيين أعطاهم منذ عام ونصف هويات و أعطاهم منذ عام حق تدريس ادبهم في الجامعات و بذلك أنتهت قضيتهم. و في لقطة فيزيائية ملفته للنظر تبين بأن بشار الأسد يعرف آلية عمل الأواني المستطرقة و لكنه طبقة على واقع معاكس تماما.

المرارة كانت واضحة جدا عندما تحدث عن تركيا و أردوغان و أخطأ عندما نسب نظرية صفر مشاكل الى أردوغان في حين أن مبتكرها هو وزير خارجيته أوغلو، و التحدي كان اوضح عندما تحدث عن الأردن و توعد برفع يده و بكتم إبتسامة رمادية وقفت حلقه. ظهر الديكتاتور جليا في هذين الموقفين ديكتاتور لا ينقص قطعة واحدة و لكن الرئيس الذي كان يتقمصه تساقط الى قطع كثيرة و لم يبق منه إلا رتوش الجلسة و الصحفيين و الكلام غير المنظم عن السوريين الذين يعتبر نفسه رئيسا "عليهم

15‏/04‏/2013

آراب ايدل إنقسام جديد


برامج اكتشاف المواهب تزاحم بعضها بعضا على قمر النايل سات و المنتج الشاطر هو الذي ينجح بتجنيد أشهر المطربين ليكونوا حكام برامجه و ما على المشاهد إلا أن يتدلل و ينتقي بين مشاهد الدمار على القنوات الإخبارية أو متابعة المنافسه بين اصحاب روتانا 
و اصحاب أم بي سي

المنافسة تأخذ شكل مختلف بصراع أعضاء اللجنة أنفسهم و يمكن أن تلمح تعصيبات راغب علامة بسهولة بعد كل عملية “نفش ريش” تقومبها أحلام بينما تجلس نانسي عجرم بينهما و كأنها كاس من الماء المقطر، قد تكون المشادات التلفزيونية بين أحلام و راغب مشادات أعلانية هدفها الشد و الجر لمتابعة البرنامج و اكثر السعداء بهذا التكتيتك الدرامي هو المنتج الذي يحول مناقرات راغب و أحلام الى دولارات حلال زلال

قد يكون كل نجوم لجنة التحكيم في برنامج أراب ايدل نجوم و لكنهم ليسوا نقاد و لا يصلحون لإكتشاف النجوم و لكن وجودهم بهذا الشكل ضرورة تفرضه عملية إنتاجية يجب أن تنتهي بالربح و المجموعة التي تم أختيارها من ضمن مجموعة أكبر ليست هي التشكيلة المثالية فقد ظلم من ظلم و نجا من نجا ،وإذا صرخت أحلام “يخرب بيتك” و بعق راغب “برافووووو” فهذا لا يعني ابدا بأن المشترك فلتة زمانو

المنافسة الآن هم سوري من الدرجة الآولى بين فرح يوسف و عبد الكريم حمدان، و صل المتسابقان الى التصفية النهائية بإجماع اصوات الحكام، تميزت فرح أكثر بصوت يكاد يكون نسخة كربونية عن صوت أسمهان و قد ظنت اللجنة بأن هذا التشابه كاف ليعبر بها الى مستويات أعلى، و رغم أدائها الإحترافي فقد ذابت هوية صوتها كليا في التشابه مع صوت اسمهان ، حاولت فرح أن تتحايل على هذا التشابه بإختيار أغنية لأم كلثوم و لكن روح اسمهان كانت ترفرف على المكان النجاح الحقيقي لفرح هو أنها استحضرت اسمهان بذات الرتوش التاريخية و سطت على الاسماع بما تمتلكة من تفصيلات اسمهانية قد تتعدى الصوت

عبد الكريم حمدان لم يظهر بوضوح في الأدوار الأولى و لم يلفت النظر و لكنه أعتمد على ما يتجاوز الصوت في فرض نفسه الى اللجنة و الجمهور و الشاشات عندما غنى موالا من تأليفة ذكر فيها حلب و اشار الى الوضع السوري بطريق موارب ثم غنى قدك المياس، صوت عبد الكريم صوت عادي جدا و الموال الذي غناه مكسور و قد يبدو مهلهلا إذا تمت قراءته بشكل مباشر و لكن صورة المشهد السوري الحاضرة أعطت لموال عبد الكريم الخلفية التي يريدها و قاطعته دموع فرح يوسف و ربما دموع بعض أعضاء اللجنة و بشكل مؤكد دموع سوريين كثر

المفاضلة صعبة و قد تتحول الى صراع عقائدي يجند فيه رامي مخلوف شركاته لصالح أحد المتنافسين و قد تكون هذه المنازلة وقتا مستقطعا ينسى فيه الجمهور مناقرات أحلام و راغب.

17‏/03‏/2013

الإنتقال


و كأن الأطراف أصبحت تعرف حدودها و مواقعها و التموضع قد بدأ يأخذ ما يشبه الشكل النهائي و ما يبدو انه تقدم للمعارضة يمكن قرائته كتراجع إختياري للنظام و الرقة قد تكون مثال جيد عندما دخلتها القوات المعارضة دون مقاومة ملموسة بعد أن أخلت "أو كادت" قوات النظام مواقعها، لا تبدو قوات النظام مهتمة بعد الآن بغير الشريط الساحلي و الطريق الحيوي الذي يربطه بدمشق عن طريق حمص، أما حلب فهي جبهة متقدمة يشاغل النظام بها غرمائه و قد يتخلى عنها في أيه لحظة.

التموقع بهذا الشكل يأخذ شكل التقسيم الضمني، طالما أصبح  الإنتصار العسكري "ممنوعا" على أي طرف من الأطراف و اصبح مطلوبا تقاسم السلطة تحت عنوان جذاب يناسب المرحلة يدعى "الحل السلمي" تفرض شروطة الجغرافيا التي يربض عليها كل طرف و مقدرته العسكرية، تقاسم مر لن يرضي اي طرف و قد يزيد من فترة معركة الإستنزاف القائمة حتى يصيب الإنهاك الجميع بما فيها الأطراف الدولية، مما يؤجل "الإنتقال" الى مرحلة لاحقة قد تكون ظروفها مغايرة. الإنتقال الذي بحث عنه السوريون منذ الخروج الفرنسي و لم يجدوه ففقدوا شكلهم السياسي و اصبحوا مجرد جغرافيا و ديموغرافيا خاضعة للتجريب

لم يكن الإنتقال السياسي في سورية سهلا في أي مرحلة من مراحل ما بعد الإستقلال فبعد ثلاث سنوات من حكم شكري القوتلي تدافع العسكر على سدة السلطة ثلاث مرات الى أن استقرت في يد أديب الشيشكلي، لم تكن الإنقلابات الثلاث  دموية و لكنهات لم تكن ودية فقد قتل في أولاها حسني الزعيم و رئيس وزرائة برصاص الإنقلابيين في حقل رمي عرطوز و نفي سامي الحناوي خارج البلاد، شرب الشيشكلي من ذات الكأس بعد أن أضطربت جزء من القوات المسلحة على حكمة لتجبره على ترك المنصب و البلاد باسرها.

لم تكن لسوريا كدولة شخصية ذات نواة مميزة و لم يكن لها حضور سياسي ذو وزن و قد تقاذفها الولاء ما بين العراق و مصر و السعودية و تركيا و الإتحاد السوفيتي و الغرب و قد تشكلت مجموعة كتل سياسية و عسكرية ذات طابع تجاري لمجاراة الإستقطاب الذي تخضع له سورية، كتله عسكرية قوية ذات مراجع ريفيه ضعيفة الثقافه و لكنها متحمسة و منفعله مياله الى الجري وراء الشعارات و اضغاث الأحلام، و كتله أرستقراطية دمشقية هي الجيل الجديد من كبار موظفي الدولة العثمانية مازالت لديها ميول عاطفية تجاه الخط الحديدي الحجازي فوقعت في غرام السعودية و مصر الملكية، و كتله أقطاعية حلبية ذات خلفية مالية متوسطة رغبت بالإرتباط بالعراق عبر الموصل. ساعد الصراع الذي لم يأخذ شكلا وطنيا "في الغالب" هذه الكتل في مسح الهوية السياسية لسورية، و قد يكون الخواء السياسي ساعد في "التلطي" السوري في فىء عبد الناصر الذي حمل شيئا يقترب من كل كتله من الكتل السابقة.

عاد السوريون بعد عبد الناصر الى لعبة الإنقلابات و قد قويت جبهة العكسر على حساب "كتل الوجهاء" الأخرى فاصبح إنتقال السلطة يأخذ شكلا عسكريا دمويا في بعض الأحيان ، دون أن تستقر سورية على شكل سياسي ذو ملامح واضحة، و لكن بعد إنقلاب البعث عام 1963 أصبح ميلها يساريا بحكم التكوين النفسي و الإجتماعي للعسكري السوري ،لم يكن الجنوح نحو اليسار "عقائديا" بقدر ما كان عاطفيا تمليه سيكيولوجيا كان تفرزها دعاية سوفياتيه قويه تلقفها العكسر و أخضعوها لشخصياتهم و مزجوها بأفكار محلية و تاهوا في جدل سخيف استعمل فيه الرصاص.

مازالت سورية تبحث عن ذلك الإنتقال السلس، و ما مر بها منذ سنتين جزء و نتيجة للسياق السابق ذاته مضافا إليه ديموغرافيا يمكن أن تحدث فروقا كبيرة و إرث الحادي عشر من أيلول و ما نتج عنه من حماس جهادي يشبه الحماس العسكري الذي ساد في الخمسينات و الستينات من القرن الماضي. من حيث الدرجة و الأرتفاع بغض النظر عن الفروقات "الشكلية" في التوجه العقدي.و الإنتقال الذي يبحث عنه السوري قد ينفرج عن مجموعات لا تخرج عن أحد الكتل التالية:

كتله تنشأ عن بقايا النظام و برغم  رحيل قادتها ففكرها سيبقى و خاصة ذلك المتعلق بمحاولة التأثير في ألاعيب الإقليم تتشكل من الصف الثاني من القادة العسكريين و رجال الأعمال "و المثففين" المرتبطين بها، و كتله ثانية تضم موظفي النظام و آلته البيروقراطية و هم البعثيين و صغار الجنود و هذه الكتله قد ترغب بنظام ليبرالي ذو طبيعه علمانية و الإحتفاظ بقشرة دينية و لن يكون لديها مانع من الإرتباط بالغرب، الكتله الثالية متدينيين يشكل الإخوان المسلمين أكثريتهم يرغبون في تغيير إجتماعي شامل و عميق يجعل من الدين عمودا رئيسيا في الثقافة و التعليم و السلوك و هذه الكتله قد تظهر عداءا ظاهريا للغرب، الكتله الرابعة هي المشتقات الجهادية التي تتبنى شكلا عنيفا للدين يتمثل في إتخاذ اقصى درجات التطرف من كل المسائل المطروحة سواءا إجتماعية أو سياسية أو غير ذلك،أما المثقف السوري فستجده في كل كتله من الكتل المذكورة أعلاه و لا حرج.

25‏/02‏/2013

يا سينو




نقتات على ما يقدمه اليوتيوب و نبقى تحت رحمة المصور المبتدىء الذي يجاهد لتخرج الصورة بالشكل الذي يريده يركز بؤرته حيث يريد و يتوقف فجأة  فتتختفي المشاهد من صندوق الفرجة، وتتركك الصور أكثر حيرة و حسرة.

صورة هوية يا سين بقوش تتصدر الكاميرا الأسم واضح يا سين بقوش ابن عبد القادر مواليد دمشق الف و تسعمائة و ثمان و ثلاثين و الوجه مدمى العيون مفتوحة بشده و الدهشة مازالت عالقة على المحيا الجريح، يمكن بسهولة تبين ملامح أحد ابطال "حارة كل مين أيدو الو". تتحرك الكاميرا تستعرض الجسد من الرأس حتى القدمين تتوقف قليلا و تعود بسرعة الى حيث الوجه و العيون التي تتدفق بالدهشة و قبل أن يختم المصور فيلمه يردد "لازمته" المفضله المرافقه لكل شريط "تكبير".

لا يمكن أن تمر  في حارة كل مين ايدو ألو دون أن تتوقف و تحيي "ياسينو" ، الشخصية التي لم يستطع تجاوزها كل من كتب دراما الحارة الدمشقية لا تكاد الذاكرة تستحضر عملا آخر له فكلها ذاب و تآكل تحت وطأة حضور ياسينو الرجل المهزوز المغلوب على امره ، يزداد ألق الشخصية و هي تخطر في إستوديوهات بدائية و لا تملك إلا لونين إثنين الأسود و الأبيض وعليها  أن تقول كل ما لديها بهما .لم تكن موهبه ياسين بقوش فريدة أو مميزة و لكن ياسينو كان فريدا و مميزا، و قد تكون المصادفة وضعت ياسين بقوش ليكون ياسينو و لكنها من المصادفات السعيدة التي تحاكي مصادفة شراء ورقة اليانصيب الرابحة.

يجلس ياسين بقوش بتكاسل و يجيب على أسئلة الفضولي بهدوء و يقدم بإعتزاز  ابنه الذي يقود السيارة ثم يشير بأصبعة الى بيته:

-       انا ساكن هون بالمخيم

تنطلق السيارة و هو يلوح بيده مودعا.

يا سين بقوش أسم لم ينتبه اليه أحد و لكنه ا يقف الآن الى جوار المعري و محمد الفراتي و القائمة مفتوحه.

28‏/01‏/2013

بوغوص



زاد أكثر من خمسة عشر كيلوغرام و ربما نقص بصرة درجتين و لكنه حافظ على ذات الطريقة بالوقوف و النظرة الممتضة،و كان صباحا باردا و مبكرا .
لوحت له بيدي، و لكن نظره كان أسوأ مما ضننت ناديته بصوت عال :
بوغوص....

ثم بصوت أعلى قليلا:

بوغوص

كعادته في التذكير و التأنيث و ضربه عرض الحائط بنظريات ابن الأعرابي نظر الى الجهة المعاكسة ، أقتربت منه ووضعت عيني في عينيه، عندها فقط فغر فمه مرحبا و أنهال بالقبلات على وجي من كل حدب و صوب و هو يصيح:

وينك...وين لك يا خيو..بعد زمان

أجبت و أنا اسحب نفسي من دائرة اللوم

أنا وين.....أنات الي وين؟؟

و كعادته في قبول كل شيء اطرق أرضا معترفا بخطأ لم يرتكبه قال:

شغل..و الله شغل ... بس انا بتم بتذكرك..أنت كيفك

و عندما قفز الحديث الى النقطة التي يجب أن يصل إليها....صاح بإنفعال مضحك:
هداك بدو يحرر...بقوم هدام بقصفو...الله وكيلك ما تم عنا إلا غرفة فيها غراض أمي...
و بخفة بهلوان معتاد أن يقفز من حبل الى حبل...تابع:

إش رايك بأكلة كبة.... بس أنت بتجيب العرقات.

أحضر بوغوص الكبة و أحضرت العرقات أكل و شرب و أنفعل بشكل مضحك و حكا بإسهاب عن هداك و هداك و عندما غفا شخر بقوة محرك بإستطاعة الف حصان و كأن "هداك و هداك" لم يوجدا قط.

09‏/12‏/2012

خالد العظم .. و الجماهير


خالد العظم أحد "نجوم" عهد الإنتداب الفرنسي و الإستقلال، وجية و صاحب ملايين مارس السياسة و التجارة و كذلك الصناعة، حملهُ تاريخ عائلته و ملايينة الى البرلمان، يسجل في مذكراته تاريخه الشخصي الطويل و يعرض من خلاله تاريخ سورية السياسي .كثيرا ما كان العظم يجد نفسه وزيرا أو  رئيسا للوزراء و في الغالب مرشحا لأحدهما في عهد الديمقراطية أو عهود الديكتاتوريه، كان يكره شكري القوتلي و يستخف بفارس الخوري و يحقد على عبد الناصر، لم يحتفظ بمشاعر ود كثيره تجاه زملاءه السياسيين بمن فيهم أقربهم اليه صبري العسلي، و حتى كلماته اللطيفة تجاه هاشم الأتاسي و هو من رعيل سابق كانت مغموسة  بنفور ينتشر كثاني أوكسيد الكربون في الجو. أكثر مشاعر الإحتقار كانت محجوزه لصلاح الدين البيطار، فقد خصه بعبارات كشفت عن شخص محتقن بغل عميق. ليس من المؤكد إن كانت هذه المشاعر نابعة من شخصية مطبوعة على التبرم و الضيق بالآخرين أم انها ردود فعل "طبيعية" فرضتها أجواء الخصومة السياسية  التي كانت سائدة في عهد غير مستقر تبحث فيه "الدولة" عن شخصيتها.

 يذكر العظم بأن نجاحاته البرلمانية أستندت الى الأصوات "الغفيرة" التي كان يحصدها، و يصور في مذكراته مشاهد عراضات كان فيها محمولا على الأكتاف و الجماهير تهتف باسمه، و ليدلل على حب الجماهير له  يورد قائمة نتائج إنتخابات دمشق عام 1961 حيث يظهر متربعا على قمة الجدول بعدد أصوات مذهل  و لا ينسى أن يشير بأن صلاح الدين البيطار قد خسر تلك الإنتخابات و لم يحرز العدد الكافي المؤهل لدخول البرلمان.يبدو العظم فرحا بنتائجة "الشعبية" و قد توجته الجماهير بالميداليه الذهبية بعدد الأصوات،و كأنه يستدعي اصواته التي فاز بها شهودا على الضربة القاضية التي تلاقها خصومه السياسيين، و لكن " الشهود" الذين صادقوا على فوز العظم مرات عديدة كانوا ضحية شخصيتة لا تعجبها الشوارع المليئة بالناس ولا  صخب "الغوغاء" و يجد في تجمهرها ملقا أو خوفا و كان صريحا في التعبير عن ذلك.

من زاويته الممتعضه المتبرمه و الحذره أيضا، يلاحظ خالد العظم بأن الناس تجتمع في الطرقات لسبب و عكسه دون "حياء"، فقد استقبل أهل دمشق بنفس الحماس جمال باشا السفاح و من بعده الملك فيصل ثم الجنرال غورو مع ما تمثله هذه الشخصيات من تنافر و تضاد، ثم يجد العظم مناسبة ليقول بأن الإحتفاء بالشخصيات المتناقضة لا يقتصر على فئة أو طبقة مجتمعية معينة و لكنها ظاهره شاملة عامة، و قد وقف الشاعر خير الدين الزركلي أمام صورة جمال باشا السفاح منشدا
أحنوا الروؤس و رددوا النظرات      هذا مثال مفرج الكربات
ثم يعلق العظم بأن أكف الجميع كانت تدمى من التصفيق لهذا المديح.

 يستغل العظم المناسبة ليدخل "خصمه" شكري القوتلي في المشهد و يقارن أحتفالات الدمشقيين بإطلالاته عليهم و إحتفالاتهم بقدوم الجنرال كاترو "المندوب السامي" الفرنسي و هم الذين تجمعوا للرجلين، و يوغل في السخرية من خصومه عندما يذكر حادثة طلب فيها جمال عبد الناصر من "زلمه" تأمين ساحه كبرى يخطب بها لا يقل إستيعابها عن مائة ألف و كان له ما أراد و يقول العظم بأن عبد الناصر ظل يتكلم ثلاثة ساعات متواصلة عن الإستعمار و العملاء و الإشتراكية.لا تظهر هذه المشاهد اين يشعر خالد العظم بالمرارة أكثر بالحشود الغفيرة التي تصفق أم بالشخص الذي يخطب أو يلوح بيده لهذه الجماهير.

يبرر العظم التجمعات الجماهيرية الغفيرة بأنها حفاوة و تكريم و أنها عادة دمشقيه أصيلة تظهر فرحتهم "بالضيوف" اصدقاء كانوا أم اعداء و يدعو كل زائر الى دمشق أن لا يغتر بما يشاهده أو يلاقاه فهو مجرد مزاج جماهيري "رايق" على الدوام لا فرق فيه بين جمال باشا السفاح أو جمال عبد الناصر. لا يقرأ العظم مزاج الجمهور بقدر ما يقرأ ذاته و في "هجائياته" لكثيرين يهجو الجماهير ايضا و عندما يبرر ما تفعله يهجوها مرة أخرى. شعور بالغبن يطفو على كلمات العظم و إحساس بالحيف و الظلم لحق به و ربما يتهم بشكل مباشر هذه الجماهير و من ورائها عشرات الشخصيات التي استعرضها في مذكراته.

عرض العظم مشكلة تخص "علم النفس الجماعي" و حلها بطريقة فيها محاباة و مجاملة و هي ذات التهمة التي وجهها للجماهير بشكل مبطن،و رغم أنه كان يتكلم باسلوب ذاتي مجروح و لكنه وصف بشكل حقيقي الموجات البشرية الإنفعالية التي تساعد في خلق الديكتاتوريات و تغذيها و المفارقة اللاذعة التي لم يعشها خالد العظم بأن تلك الموجات الإنفعالية ذاتها قادرة على هدم الديكتاتوريات بفعالية و سرعة أكير من بنائها.


مرجع : مذكرات خالد العظم.

29‏/09‏/2012

قناص





أصبعة ثابته كمسمار مدقوق في الجدار، و عينة لا ترمش تلتقص كفة مع برودة البندقية فتصبحان قطعة واحدة تتحجر العين التي لا ترمش على المنظار و تتحرك السبابة التي تحمل الموت بهدوىء لتنطلق الرصاصة بسرعة لا تتمالك الشفاه المتحجرة أن تنفرج عن إبتسامة نصر فقد أستقرت الرصاصة حيث كانت العين تنظر.

  
يتحرك ببطىء بليد لا تهمة عوامل الطقس كثيرا ما يهمه الشارع يتفرس بالأشباح التي تركض أمامة مذعورة، يتحكم بكل أعضاء جسدة  و لكنه لا يستطيع أن يوقف ابتسامة النصر التي تعلو شفتيه ، قلبه يخفق بهدوىء و أنتظام كمضخات الماء، و تنفسه رتيب كتكتكات ساعات سويسرا أما جملته العصبية فضعيفة الناقلية كالسياسيين. يتابع المارة و يثبت منظاره المقرب على الروؤس أو العيون فتحات الأذن تستهوية تستقر الرصاصات حيث يخطط لها أن تستقر و تهوي الأجساد كأكياس الدقيق و تتهالك قطعة واحدة دون حراك تساعد وضعيات الأجساد المائلة الجاذبية بإفراغ الأجساد من الدماء تصفر الجلود ثم تزرق و بعد ذلك تنتفخ و تسود.

  
بعد أن تتكاثر الجثث و تخف حركة المرور يتسرب الملل الى قلبه  الذي بلا يكف عن الإنتفاض المنتظم ينتظر الضحية التالية يسدد على الرأس ينتقل المنظار الى الصدر ثم ينخض الى الأسفل، ثم يعلو لتستقر على الركبة تنطلق الرصاصة فتتعثر الضحية و تسقط على الأرض تزحف نحو الرصيف و تترك ورائها جدولا من الدماء النازفة يتنفس القناص بعمق و يعاود النظر تستقر الرصاصة التالية أسفل الظهر فيتوقف الزحف المتألم و يبدأ الصياح تدب الرحمة الممزوجة بالموت الى قلب القناص قتستقر الرصاصة التالية في الصدر لتوقف كل شيء..
  

يلتصق القناص بأمكنته العالية يكمن دون حراك كالقراد يكتفي بكمية قليلة من الطعام و يتسلى بالمارة غزارة المرور رهن برصاص بندقيته يتوقف بعض الوقف فيشتعل الشارع حياة تبدأ الحركة سريعة نشطة و الروؤس متلفتة خائفة لا تلبث أن تطمئن، تعود البندقية للعمل لتكوم مزيدا من الجثث فيتوقف السير و كأن إشارة المرور تحولت الى اللون الأحمر فيعود القناص الى إبتسامته الظافرة يشد بود على فولاذ بندقيته و يشيح بوجهه عن الشارع.

وجهوا صاروخا صغيرا الى مصدر رصاص القنص و أتبعوه بعدة قذائف هاون كان إطلاق الحمم يترافق مع سيل شتائم لا يهدأ ثم ساد الصمت تبعه عدة رشقات رصاص ليطمئن قلب المتشككين و ركضت الأرجل الى الأعلى حيث كان الموت يخطف المارة . كانت هناك بندقية تتكىء على كومة من الحجاره.


11‏/09‏/2012

بنات العيلة دمى كلاسيكية




بنات العيلة  دمى كلاسيكية

في مسلسل بنات العيلة  تجمع الكاتبة رانيا بيطار مجموعة من "القصص القصيرة" المنفصلة، كل بطلاتها أو ضحاياها نساء ،و تربط فيما بين النسوة بحلقة  قرابة عائلية ، و لتزيد ترابط الشخصيات شبه المستقلة حبكت حادثة الرسالة الغامضة و المرسلة المجهولة . ظنت الكاتبة أن ربطا من هذا النوع يمكن أن يخلق مناخا دراميا مناسبا لتلتقي فيه الشخصيات و تتفاعل مع بعضها  لتكون رواية متماسكة. لم تنجح الخدعة و قد ظهر بوضوع تباعد الشخصيات و إنفصالها عن واقع الجو المريب الذي يجب أن تفرضه الرسالة "الرابط". و لم تفلح حيلة القرابه العائلية إلا بتبرير المشاهد التي تظهر فيها بطلات العيلة لتحكي كل واحدة للأخرى عن معاناتها الشخصية دون أن تتاح الفرصة لأي شخصية أن تكون فاعلا في سياق درامي لشخصية أخرى. و قد تبدو هشاشة فكرة الرسالة في غيابها الطويل عن حلقات المسلسل فلم تشكل هما إلا "لثراء دبسي" الخالة التي أظهرت قلقها من مضمون الرسالة في بضعة مشاهد متباعدة جدا.و قد ظهرت حيرة الكاتبة رانيا بيطار حيال الرسالة فلجأت التي التخلص من هذا الخط الدرامي قبيل نهاية المسلسل بعدة حلقات  بعد أن ورطت فيه شخصيات غير رئيسية و أنتهى دون ان يضيف شيئا غير عدة  مشاهد لم تكن ضرورية
.
عصف الجو "الأنثوي" بالمسلسل كتابة و أخراج و بطولة و أختارت الكاتبة وسطا من "المخمل" لتتحرك فيه بنات العيلة، و بذلت مجهودا لتختار وظائف مرموقة لبطلاتها لتضمن لهن مكانا إجتماعيا مريحا، حيث أن معظم بنات العيلة تعملن "ليحققن ذواتهن" بإعتبارهن يحملن جميعا ذات القاعدة الذهبية التي تقول "المصاري ما بتهم"، و قد يتبادر الى الذهن أن معتنق مثل هذا المبدأ "محشي مصاري". و هذا ما أوحت به الكاتبة و كرستة المخرجة في الديكور و الملابس و السيارات. مطربة مشهورة ، كاتبة سيناريو رئيسة تحرير،مذيعة، مديرة صالون للتجميل، مضيفة جوية، طبيبه، سيدة ثرية تغدق على زوجها، و هكذا...ضمن هذا الجو تحركت بناء العيلة و بنت علاقاتها و صراعاتها،كان جو الثراء خلفية مسيطرة على المشهد و كان جزءا أساسيا من الدراما  أضفى واقعية على بعض الشخصيات، رنا، "صفاء سلطان" و كان ضروريا ليظهر موقفها الدرامي الصحيح، و لكنه كان وبالا على "نسرين طافش" فقد ظهرت تافه و سطحية بدون أن يكون ذلك مقصودا عندما حملها السيناريو فوق طاقتها، بأن جعلها مذيعة صباحية و محررة في المساء و رغم ثقل المهمة "الثقافية" بدت الشخصية خاوية جوفاء بتعلقها الأعمى بنصائح والدتها و حبها الغريب لرجل يبدو أنه بلطجي.
.
لكل سيدة من بنات العيلة هم أنثوي أو أكثر يسّير حياتها بمعزل عن بنات خالاتها، رئيسة التحرير عليا "كنده علوش" الزوجه السابقة لرجل غني ترث ملايينه و تتربع بعبوس مصطنع خلف مكتب رئيس التحرير لمجلة  نسائية تعيد إكتشاف حبها القديم للمذيع "المستقيم" وسيم "قيس الشيخ نجيب" الذي يحول برنامج تسلية يدعى صباح الخير الى صرخة تصدح بالحقيقة في وجه الفساد، ظهور بارد لكنده علوش لم يلائمها الجلوس خلف طاولة رئيس التحرير كما جاء إنفعالها المتكرر من بنات أختها ليليا "تولين بكري" جافا لا يناسب سيدة بحاجة الى ممارسة الأنوثة لبعض الوقت و الأمومة جزاء منها،كذلك كان حضور قيس الشيخ نجيب كامدا بجفاف نظرته و برود حركاته و هي سمة في أداء قيس مهما كانت الشخصية التي يؤديها.
 المذيعة الصباحية و المحررة في جريدة بنت خالتها سارة “نسرين طافش” أنثى واقعية بفضل نصائح والدتها و من شدة الواقعية ترتبط بصاحب مطعم ذو شكل غير مريح و عقلية عصملية يترجمها على شكل أركيلة لا تكاد تفارق يده ،و ثقافة الحرملك جزء من تكوينه النفسي،لم تلحظ خطيبته المشرفة على برامج ثقافية و توعوية هذا النقاط و أستسلمت لنصائح أمها وواقعية مزيفة لا نرى منها إلا مكياج متقن و ملابس تظهر قوام الأنثى المثيرة، و كان علينا أن ننتظر ثلاثة و ثلاثين حلقة و فوقها مقالب موفق "باسم ياخور" لتعود نسرين طافش الى رشدها. مقالب باسم ياخور الذي يحاول الإنتقام منها لقسوة نصائحها الواقعية التي تذيعها في برنامجها الصباحي و قد حرمته إحدى تلك النصائح من خطيبته التي يحب. و لكن كما هو متوقع و كما يحصل في كل أفلام الثمانينات تتحول الرغبة بالإنتقام الى حب صادق..
إبنة الخالة التي تمتهن كتابة السيناريوهات هبة  "ديمة الجندي" أنثى حالمة لا تجد أمامها سوى الورق الأبيض الذي تكتب فوقه سيناريوهاتها تبثه لواعجها، تعاني من إهمال زوجها  فتتعلق بشرفة جارها الفنان غير القادر على النطق و فجأة مغ نهاية المسلسل يحمل الفنان الصامت لوحاته و كراسية و يغادر الحي و هو يرمق  الشرفة التي تقف عليها حبيبته و دموعها تنحدر بغزارة فوق خديها. نهاية بهذا الشكل فرضتها التابوهات التي تحكم دراما رمضات رضخت لها الكاتبة و قدمت نموذجا مشوها من قصص الحب و الحرمان و أنتهى كما يرغب الضمير الشعبي العام.  .
الأنثى التي تركت أكبر أثر في المسلسل كانت رنا "صفاء سلطان"  بأداء غير متكلف برىء مؤمن بالدور ،السيدة التي أحبت و سامحت حبيبها و قَبٍلت إبنته، وجدت نفسها بمواجهة غول يهدد أنوثتها التي نجحت في إثباتها بكل إحتراف طوال حلقات المسلسل، و لكن السيناريو لم يترك القصة تنساب بعذوبة عندما قاطعها مرارا بإلباس  الطفلة الصغيرة ابنة الزوج  لبوس "الخالة مرت الأب" و عندما أفتعل بعض المشاهد الميلودرامية غير الضرورية بعد إكتشاف الإصابة بالمرض.لم تكن شخصية الطفلة مقنعه و لم يكن تحولها العاطفي العنيف مقنعا ايضا فبدت كائنا  دراميا مفبركا
 .
أما الطبيبة شهد "كنده حنا" المتعلقة بأبراج الفلك و بالأطفال و باليافعين أيضا لم تظهر من الطب أكثر من الرداء الأبيض و السماعة أمضت معظم مشاهدها و عيونها نصف مغمضة، تهيم حبا برئيسها الطبيب ذو الذقن غير الحليقة و تنسجم بتآلف عجيب مع أبنته، و هنا مرة أخرى تستعين رانيا بيطار بتراث الثمانينات لتحبك هذه القصة التي لا تناسب الشخصية و لا تناسب كنده علوش و لا تناسب الطب.
 ميرفت "نظلة الرواس" السيدة ذات الملامح القاسية تتصرف بقسوة و خبث و لا تتردد في حبك المؤامرات و تتحدث بطريقة الأشرار التقليدية تضعف أمام زوجها و تتحمل صفعاته و لكنها في النهاية تخرج من جلدها
لتحبك مؤامرة بوليسية من طراز "أرسين لوبين" لتتخلص من زوجها الخائن و عشيقته الساقطة بضربة واحدة.
تتفوق علا "قمر خلف" بحضورها الذي يحاكي موسم التفاح و دورها المميز  فتتحرك بكل  ثقة و تختار عشاقها بتفتح المضيفة الجوية، تخرج مع الكهل المكتمل الرجولة ثم تتركه لتستعرض شباب رجلها الجديد و لكن السيناريو الذي يصر على التصرف بعقلية الثمانينات يحول القصة و الدور الى  خرده عندما وضع المشاهدين في موقف محرج لنكتشف بأن الكهل هو والد الشاب فتقف قمر خلف بعيون زائغة محاولة أن تسترجعع في ذاكرتها كيف كانت تتصرق سهير رمزي في مثلل هذه المواقف. شقيقة علا المطربة ميرا "هويدا" لديها قصة هي الأخرى تمل من الشهرة و حصار المعجبين و تترك هؤلاء جميعا لتحب ابن الجيران و من سوء حظ المطربة فابن الجيران متزوج و زوجته ترقد في المستشفى في غيبوبة تامة. يدير ظهره بكل نبل لانامل المطربة الممدوة إليه بحب ليتفرغ للجلوس بجانب سرير زوجته الغائبة عن الوعي، تغرق المطربة في دموعها من فرط إعجابها بهذا الحب النبيل.قصة تجبرك على قرص دماغك لتتذكر من كم سنة تجاوزت الدراما السورية مثل هذه القصص المحطمة..
في قصة ملفتة للنظر و عالية السقف يحكي السيناريو قصة ريتا“ديمة قندلفت” الفتاة المسيحية التي تزوجت مسلما رغما عن أهلها و عانت من عنت شقيقها كما عانت منه شقيقتها الثانية “مرام علي” .رشت هذه القصة نكهة شهية على المسلسل كلة و رفعت مستواه و تألقت ديمة قندلفت في الدور و كدنا أن نصدق بأنها متزوجة من مسلم و هنا كان السيناريو مختلفا عندما فارق حقبة الثمانينات و فارق أي حقبة ليكون مخلصا للقصة التي يسردها فعرضت بطريقة ملفته للنظر حتى بدت حقيقية لعل أداء مرام علي نغص من حلاوة القصة لأنها بدت “دبقة” في حبها و لزجه عندما تزوجت بعكس زوجها الشاب الذي كان موفقا و خفف وجوده في معظم مشاهدها من ظلها الثقيل

من ضمن القصص الكثيرة التي يتعرض لها المسلسل قصة ليليا "تولين البكري" و الحكاية القديمة المتحيزة للذكور، تنجب ليليا لزوجها أربع بنات و لا ينفع الطب و لا وصفات السحر و لا تلاوة القرآن و تستمر ليليا بإنجاب البنات و نكاية بالمشاهدين ينتج آخر حمل لها توأم بنات "بعيون الشيطان".و صبا الطبيبة زميلة شهد في المستشفى تقضي وقتها بإنتظار زوج طلقها و في أمل واه تعيش في بيت أهله و لكن بتحيز واضح من الكاتبة ضد الزوج الذي عاد أخيرا تجعلها تعيش قصة حب مع مدرس إبنتها فتترك زوجها العائد متابطة ابنتها التي تنسجم بشكل تلقائي مع زوج أمها و حادثة من هذا النوع تكررت مرتين على الأقل هذا المسلسل.

كثرة القصص المنثورة على حلقات المسلسل لم تعطه  الغنى الدرامي المطلوب بل كانت سببا في ظهور التسطح على بعض الشخصيات بعدم تخصص الوقت الكافي لعرضها، و هي مشكلة حاولت الكاتبة تجنبها بمط المسلسل بضع حلقات فوق الثلاثين و أعتقد أنها كانت بحاجة الى عشرين حلقة آخرى لتتمكن من التوغل عميقا في كل الشخصيات لإعطائها حقها المطلوب. و بدورها لم تبذل المخرجة الجهد المطلوب لإضفاء اللمسة الإخراجية اللازمة لإخفاء عيب سطحية بعض القصص و الشخصيات و قد كان ذلك متاحا بالتخفيف من مبالغات نظلي الرواس، و تجاهل عمليات إعداد البرنامج الصباحي الناجح و قد ظهر كأنه مجموعة "حكم" ترتجلها نسرين طافش كل صباح. فقر الشخصيات و غياب الحل الإخراجي يفسح مجالا أكبر للممثل كي يظهر مالديه  و قد اثبتت قمر خلف  و ديمة قندلفت و الى درجة جيدة صفاء سلطان حضورا مميزا و قد أعطى وجودهن قيمة أعلى للدور،أما كندا علوش فقد ظلمت نفسها بقبولها مثل هذا الدور  و يجب أن تلام لسوء الإختيار خاصة و خبرتها كافية لتمييز الدور المناسب و هو فوق الورق. أما نسرين طافش فقد بدت رغم إبتساماتها و ضحكتها التي تختم بها غالب مشاهدها متعالية على الكاميرا و على الحوار و أحيانا على زملائها في المشهد بدت مصطنعة تمثل دورها "بالشوكة و السكين" كمن يخاف أن تبتل ملابسها. فيما رواح الجميع في مكانه. أما الأداور الرجالية فقد كانت قصيرة و بشكل مقصود و لكن ذلك لم يفسح المجال للنساء للعب دور أكبر فقد ظهرن جميعا و دون إستثناء كظل لرجل.

استعانت الكاتبه بإرث قديم في تشكيل قصصها و قد حافظت على القديم كما هو فلم تنفض الغبار عنه و قد أقتبست مشاهد كاملة من أفلام الثمانينات الميلودرامية فجاء التكرار ثقيلا عانت منه الشخصيات و رضخت له كثير منها و تماهت المخرجة مع القصص الكلاسيكية فقدمت لها اطر مترفة و ألوان كثيرة تتوزع في خلفية كل مشهد لم تساعد الألوان الكثيرة في تنظيف الغبار عن قصص قديمة بل بدت كعلب هدايا مشبوهة تخاف أن تفتحها و إن فتحتها سيصيبك الإحباط.

24‏/08‏/2012

الولادة من الخاصرة 2 ، فقر الدراما


الولادة من الخاصرة (2) فقر الدراما

يختار أبو الزين طريقة معارضة سلمية حين يستولي على سلاح دورية أمن حضرت لتلقي القبض على "مشبوه".  يلقي أبو الزين الأسلحة  التي أستولى عليها أرضا و يعبر فوقها  لمقابلة وزير في الحكومة ليشتكي له ظلم الحكومة. تمرد خجول ذو سقف منخفض  رغم فداحة الظلم الذي حاق بمساعد أول متقاعد على مدى مسلسل من جزئين تمردت الجماهير لصالحه،يدخل أبو الزين ممثلا للمحتجين لمقابلة المسؤول.يستهل أبو الزين خطابة التحرري بطريقة تعبير سوريالية فيكسر حوض السمك الذي يزين مكتب الوزير المسؤول و يترك الأسماك الملونة ملقاة على الأرض تلوي أجسادها بشدة و تفتح غلاصمها على مصراعيها بحثا عن الأكسجين وسط صرخات الوزير الذي جرحه منظر السمك المختنق، و على طريقة "أنا إنسان مو حيوان" يصرخ أبو الزين في وجه الوزير "أنا إنسان أفضل من سمكة"، في ذات الوقت الذي تتلون الأرضية  التي يقف عليها أبو الزين بألوان الجمر الذي يتنبىء كاتب المسلسل بأن أبو الزين ووفده السلمي سيسير عليه.

يتابع الجزء الثاني من مسلسل الولادة من الخاصرة سرد يوميات مجموعة من الشخصيات التي تمثل في رأي الكاتب أجهزة الأمن و الشبيحة و مجاميع شعبية مقموعة، تتحرك الشخصيات  وسط معمعة من الأحداث التي تتحرك أفقيا فالأحداث لا تنتج عن بعضها البعض إنما تخلق فجأة دون مقدمات،تتخلل الأحداث حواريات بعضها طويل أكثر من اللزوم فتضطر الشخصية أن تقول أشياء لا تعبر عنها ووسط كل ذلك لا تكاد صرخات ابنة جابر تسكت لحظة واحدة. رؤوف رجل الأمن السادي و الفاسد يخرج من السجن بفضل ملفات يملكها عن الفاسدين يرفعها عاليا مهددا بفضل خطة وضعتها ابنته المراهقة فتنطلي خطة المراهقة على "دهاقنة" رجال المخابرات السورية، فيخرج رؤوف مرفوع الجبين و يتابع صعوده نحو القمة بعقد صفقة مع "شخص" مهم بعد نجاحة في القبض على رجل عصابات فضيع يروع الأجهزة و المجتمع. جابر يهيم في الشوارع لا يلوي على شيء قابضا على مكان كليته الفارغ يبكي ملايينه الضائعة الى أن قيض له رجل العصابات أبو نبال فيتحول الى ظل لهذا الرجل ذو البطش الشديد.بدون أن يفصح السيناريو عن السبب يطلق جابر زوجته مفسحا المجال لميلو دراما تسكبها صفاء سلطان بحرفيه عالية  فيما يحدق جابر بطفلته و فمه مفتوع بلا معنى. كان السيناريو عديم الوفاء لعلام الذي فقد دوره في المسلسل لصالح عقيل" عبد المنعم عمايري" الذي يتحول  من حمل وديع الى علام جديد بفضل زياراته المتكررة الى مسلخ عجول مخالفا  بذلك علم الجينات و كل العلوم الأخرى، ابو الزين الذي يصنع الخير لمجرد الخير تدله حواسه الى الخير بواسطة "أنتين" الطيبة و المسكنة لا يكف عن مساعدة الناس  حتى يكاد يشنق نفسه في سبيل "المجتمع".

تغيب عن بال رؤوف رغبته المجنونة بطفل و تختفي مؤقتا تصرفاته السادية، و لكن السيناريو ظل مخلصا لنوع من المشاهد المقززة حرص على عرضها، فأبتكر شخصية أبو نبال الضابط السابق في سرايا الدفاع، و قدمه في أول دخول له كرجل فظيع قطع أزلامه ساق أبو مقداد بمنشار كهربائي و دون أن يرف له جفت لمجرد أن أبا مقداد تكلم عن صديقة أبو نبال،أهتزت شخصية أبو نبال بعد ذلك و لم تتابع سيرتها المهووسة بالعنف و نجده و قد تحول الى خروف لطيف بمجرد أن جابر ذكره بقصة النبي عندما عفا عن قريش. عندها تصلبت عضلات وجه أبو نبال و تحول الى راهب ذو وجه سمح و عفا عن ضحيته و تقرب من جابر و قربه حتى حوله الى مليونير.تنتهي علاقة أبو نبال و جابر في مشهد بذل الكاتب عشرات المشاهد ليظهره و أضطر أن يعيد "ناهد حلبي" الى الجزء الثاني بخمس مشاهد. يحاول أبو نبال أن يستل كلية السيدة المذعورة ،في تصرف لا تبرره شخصية أبو نبال و لا أحداث المسلسل و لا الدراما ذاتها فيطلق جابر النار على ساق أبو نبال ليردعه ثم ليكتمل المشهد الذي أحيط من الكاتب و المخرجه بعناية خاصة يطلق جابر النار على نفسه و بمكان مناظر لإصابة أبو نبال، و كان على المشاهد أن يبتلع هذا المشهد و يسكت و يصادق على بقية الأحداث و التبرير بأن جابر رجل مخلص و لا يقل عن أبو نبال "رجولة".

يبقي سيناريو الجزء الثاني من الولادة من الخاصرة على شخصية أخت جابر فيلاحقها في سجنها و قد قضت فترة محكوميتها ببلوزة ذات لون وردي، يحبها سجان و تحبة و يعمل على إخلاء سبيلها فينجح ثم يتزوجها، لا تتقاطع هذه القصة مع خط سير جابر أو رؤوف أو أي شخصية أخرى و لا تساهم دراميا بأي مسار لأي شخصية أخرى و لم تعزز فكرة من أفكار الكاتب كالفساد أو الظلم هي قصة حب مستحيلة تجري في وسط غير صحي و لكنها تنتهي نهاية سعيدة و النهايات السعيدة هي الزواج طبعا.يختلق السيناريو شخصية نسائية جديدة هي "صديقة" أبو نبال فيستعملها كيفما يشاء و هي مستسلمة منقادة و تنتهي و هي تنفذ مخطط سخيف يحوكة "الشخص" المهم جدا و الذي تخافة عتاولة المخابرات، و المخطط هو إدعاء الفتاة بأنها تقرأ المستقبل و الطالع دون أن يظهر بأن وراء هذا المخطط هدف كبير يضاهي الشخصية المهمة.

سيناريو حائر و ربما خائف لا يقول الكثير و لكنه يشير بقوه الى شخصيات و يتجنب الأجهزة، عندما يتهم رجال المخابرات و يبقيهم خائفين من القانون و ملفات الفساد سيف فوق رؤوسهم و كأن هناك شخصا ما خلف الأجهزة يحرص على القانون. لا تتصاعد أحداث المسلسل بل تنطلق و تخبو فجأة و بسرعة و قد يتم إختلاق حدث في مشهد ثم ينطفىء بعد مشهدين دون أن يخدم السيناريو ككل و قد يكون طلاق جابر لزوجته مثال جيد لذلك يأتي الطلاق دون داع و لكنه يفسح المجال لحضور صفاء سلطان الميلودرامي .الجملة الدرامية في المسلسل منهكة محتواها التعبيري و الرمزي فقير لإعتمادها على حدث عفوي و حوار عصبي و شخصيات غير متزنة، أستطاع المسلسل أن يجمع مشاهدية بقسوة المشاهد و "جرأة" ظاهرية بإستهداف طبقة رجال الأمن.

العمليات الفنية في المسلسل لم تكن كلها واضحة المعالم، أستمعنا في الكثير من المشاهد على صوت يشبه الى حد بعيد إطلاق الرصاص أو إغلاق باب عتيق رمز ثابت أو أيقونه أحتفظت بها المخرجة و لكن الريبة بالصوت قادت الى الريبة بالرمز نفسه.شاهدنا مرة أخرى المخزن القديم الذي أحتجزت فيه سماهر كان رؤوف في هذه المرة يربط أبو نبال و جابر الى ذات العمود و لكن في المرة الثانية كان رؤوفا مختلفا تحول السادي المجنون الى هاو لكرة القدم و قد برر السيناريو في الجزء الأول القسوة بالإحساس بالحرمان و لكن القسوة في المرة الثانية ولو كانت مخففه لم تكن مبررة.ظنت المخرجة أن المسلسل يشير بأصبع السبابة وبشكل واضح الى مفاصل و هياكل مفككة في جسد الدولة، فلم تستعمل الكاميرا كفنان أكتفت بزوايا مباشرة و كأنها تصور وجوها لتستخدم الصور على جوازات السفر او تذاكر الهوية، اختفت اللقطات التي توشوش المشاهد و تساعد الممثل في توضيح ما يقول و قصرت العدسة في تلوين المسلسل و إضفاء "القرفة" على التمثيل ليصبح دراما،لذلك شاهدنا في مسلسل الولادة من الخاصرة الجزء الثاني أو ساعات الجمر تمثيلا كثيرا و لم نشاهد من الدراما إلا القليل.

19‏/08‏/2012

عمر الدراما و التاريخ


عمر الدراما و التاريخ
كسر حاتم علي تابو تجسيد الصحابة في الأعمال الدرامية و لكنه بقي "رغما عنه" أسير تابو عدم المس بعدالتهم و فضلهم ،تحيز النص لهذه التفصيلات و اظهرهم مبتسمين مستبشرين واثقين و متضامنين  و هو بذلك برأ ذمته تجاه سيرة ابن هشام و أحاديث البخاري و الشهير المتداول في كتب الأخبار و التاريخ، و لم يخيب رجاء القرضاوي و بقية الأئمة الذين وافقوا على ظهور عمر و زملائه المبشرين بالجنة،أراد حاتم علي كذلك أن يمتص الهزات الإرتدادية التي قد تنشأ عن تجسيد عمر فأختار ممثلا لم يعمل “كممثل” من قبل و أشترط عليه ان لا يعمل إلا بعد خمس سنوات و كأنه أرتكب إثما و يريد أن يحفر حفره عميقة و يطمر إثمه فيها فلا يظهر له أثر بعد ذلك
.
تتبع النص أخبار عمر و مزجها بأخبار البعثة النبوية و أخبار مكة، بدأ مع شباب عمر و بداية نبوة محمد و لم يشر الى ما كان قبلها و لعل قلة أو إنعدام المصادر التاريخية سببا في ذلك، ظهر  عمر و منذ المشهد الأول متأملا ممسكا بعصا معقوفة النهاية و هي العصا التي لم تفارق "يساره" طوال المسلسل، كان يستمع كثيرا و يتكلم قليلا، لا ينفعل مع الحدث يكتفي بالمراقبة و الشرود، و هي حالة كاهن أكثر منها حالة صاحب موقف معارض للدين الجديد، لم يظهر عمر معاديا لمحمد “في صورة تعابير وجهه على الأقل” كما صورته كتب التاريخ بل كان حياديا "إيجابيا" و ربما متعاطفا الى حد كبير أفصحت عن تعاطفه نظرات عينية و تأملاته العميقة التي لا تنتهي و ساعدته موسيقا المشهد في تكوين صورة رجل تقبل روحه طرح محمد الجديد و  ينتظر فرصة ما ليلتحق به. لذلك فشل مشهد دخوله في الإسلام الذي بدأه عازما على قتل النبي و أنتهى و هو مؤمن عميق الإيمان.و لعل حاتم علي كان أكثر توفيقا من ابن اسحاق فحاتم مهد لإيمان عمر بمجموعة مشاهد تظهر عمر متأملا و مفكرا الأمر الذي لم يظهره ابن إسحاق الذي لجأ الى ما يشبه الإنعطاف في سيره عمر عندما نقله من الكفر الى الإيمان بمجرد قراءته لعدة آيات من سورة طه.فشل المشهد لا يسأل عنه حاتم علي و هو الذي نقل عن ابن اسحاق و لكن المسؤول هو الخبر “غير المعقول” ذاته الذي أراد أن يضفي على عمر صورة الرجل المتأثر بالقرآن من “أول نظره” و كأن عمر يستمع الى القرآن لأول مره.

ركز المسلسل في بدايته على ما تصفه المصادر قوة عمر الجسدية تحت سطوة هذه الفكرة أظهر حاتم علي عمر في الحلقة الثانية كبطل في المصارعة الرومانية و هي حالة بدت نشازا وسط هالة الكهنوت التي لم تفارق عمر منذ المشهد الأول و حتى النهاية،شهرة عمر التاريخية لا تقوم على قوة جسدية و من هو مثله ليس بحاجه الى مثل تلك القوه مع ما يتمتع به من حسن تقدير و نظره ثاقبه و حضور طاغ، و لكن الخيال الشعبي الذي لا يقبل بطله إلا كاملا وضع في عمر قدرات المصارعين، و أعطاه شكلا غير متناسق بطول فارع يتجاوز طول الجمل مع سنامه وهي صورة غير معقولة و قد يثير مثل هذا الرجل الرعب اكثر ما يثير الإهتمام و الإنتباه.تعود شهرة عمر و نجاح فترة خلافته الى مقدرته “الإدارية” الفذه، و حاسة التنظيم العالية لديه فقد كان وراء مجموعه من الإجراءات التنظيمية ذات التاثير غير العادي منها التأريخ الذي لا يزال سار بتأثير عمر حتى هذه اللحظة و تبنيه لفكرة الدواوين لتسجيل اسماء المقاتلين و رواتبهم و رتبهم و جمع القرآن و تنظيم المدن، و الأدهى من كل ذلك حسن إختياره للولاة و القادة و عدم تردده في عزل غير المناسب منهم حتى غدت تعيناته مرجعا للعهد الذي تلاه.تقود تلك المواهب شخصية قوية حاضرة صلبه و مؤمنه بشكل عقائدي لا يقبل الشك، وفوق كل ذلك إلتزامه “البيروقراطي” الذي يدعو الى الدهشة حتى نُقل بأنه لم يجد داع لتقبيل الحجر الأسود ولولا مشاهدته النبي يقبله ما قبله ابدا.و هذه النقاط لم يلتفت إليها المسلسل إلا بالقدر الذي اتاحه ابن اسحاق و من تلاه من مؤرخي ذلك العصر الذين تناولوا الأخبار كما تبدو و لم يحاولوا عبور قشرتها الخارجية الى عمق نقدي يظهر منها وجوها غير مرئية.
.
إخلاص حاتم علي للتاريخ أضاع منه الدراما فمن يرى عيني عمر في المشهد الأول كمن يرى عينية في المشهد الأخير و الأمر ينطبق على كل قسماته زاد البياض في شعره و فقد القسم الأمامي منه و ما بقي منه ظل على حاله، لم نجد قصة تتصاعد أو تخبو لم نصادف تلك المشاعر و العواطف التي تستخدمها الدراما لتمسك مشاهدها أطول فترة ممكنه لم نجد إلا مشاهد متلاحقة تصور بالكاميرا و بأكبر عدد من المجاميع خبرا من أخبار الطبري أو ابن اسحاق بما يمكن تسميته تصوير التاريخ،لم تغب هذه النقطة عن حاتم علي فخلق بعض “الدراما” في قصص جانبيه كان التاريخ خلفية مضيئة لها كقصة حبشي قاتل حمزة و هي من اللمحات المضيئة التي برهن فيها حاتم علي عن فهمه لمهمته الدارمية و رضوخه لقسوة حضور التاريخ الذي قيد يديه بخلق واقع درامي لعمر كذلك الواقع الذي ابتكره لوحشي
.
ممثل حاتم علي ذو طاقة تعبيرية جيده و لكنه لم يفلت من تقليديات قديمة صورت المشركين بشكل بشع و ألوان قاتمه و اسبغت على المسلمين ألوانا بيضاء رزينه و هو ما التزم حاتم علي بحرفيته و كثف البشاعة على وجوه “الكفار” باشكال الذقون و اللغة القاسية و الضحكات الهستيرية التي تصدر عن المهوسين،و كانت معاركه تقليدية رغم البذخ الواضح و أعداد الخيول و المقاتلين و الفيله. أما شقلبات الرجالة و مبارزات الفرسان فقد  تكررت في أفلام و مسلسلات سابقة بشكل شبه مستنسخ و ظهر متاثرا الى حد ما بأجواء فيلم الرسالة بالملابس و القلادات، و كانت مي سكاف “هند بنت عتبه” مميزة و لكنها لم تتجاوز منى واصف قيد أنمله رغم مرور عقود بين العملين،بعكس فيلم الرسالة أختار حاتم علي  أن يخفف الإضائة مما أضفى على الصورة شيئا من التعتيق عزز الصدق فيها، أما المرحى التي يسحقها كاتب و مخرج العمل و منتجوه فلأنهم أخرجوا عمر من بطن التاريخ المغلف بالتقديس الى وسط أضواء الدراما الرمضانيه حيث أمكن لمسه.

28‏/07‏/2012

رمضان الدراما و السياسة و الثورة


تأخر رمضان النظام يوما عن رمضان المعارضة و هو تصرف "سياسي" قد يكون له هدفان هما "مجاكرة" النظام و مجاملة السعودية،و ربما تقريب موعد العيد .البداية الرمضانيه كانت صاعقة و مجلجلة بهجوم على العاصمة و إستهداف قيادات عسكرية "لمس" النظام على رأسه و ازدرد لعابه أنطلقت قنواته الإعلامية تردد بلا ملل أغنية إيلي شويري صف العسكر،ثم هدأت موجة الحماس الوطني و أتهم التلفزيون الرسمي قنوات مزيفه ببث أغان وطنية لأهداف مغرضة، ثم بدأ بعرض المسلسلات واللقاءات و الطبخات كما يليق برمضان، و يتخلل كل ذلك أنباء "الإنتصارات" مدعومة بالتصريحات اللافروفية المدرة للإدرنالين
.
كان لدي خوف من متابعة مسلسلات رمضان على القنوات السورية الرسمية، الخوف من سقوط النظام و أختفاء برامجه فأفقد بقية المسلسل و خاصة بعد الوعد الذي قطعة العقيد رياض الأسعد بالصلاة في المسجد الأموي في منتصف رمضان،و لكنه لم يحدد إذا كان سيؤم الصلاة أم سيرضى بالوقوف خلف مناف طلاس الذي استغل سماحة الشهر الكريم و ذهب الى العمرة لعلها تطهره من آثام أربعين سنة ماضية. و لكن الحديث عن "المجسمات" طمأنني بإعتبار أن الكثير مما نشاهده ما هو إلا "مجسم" هوليودي بارع قد ينطلي البعض، و صرت أدقق بكل مشهد تلفزيوني ومن عدة زوايا لأتأكد بأنه ليس تجسميا، قبضت على بعض المجسمات بالجرم المشهود ماثلة على خدود "بنات العيلة" المتورمة بالكولاجين و أعتقد بأن بعض الكولاجين مغشوش لأن ورم الخدود قد بدأ "يفش" منذ الحلقة الخامسة، مما يعني أن "مخطط" التجسيم سيسقط كما سقطت قبله كل خيوط "المؤامرة"

جرأة مشاهد بقعة ضوء إزدادت بشكل ملحوظ و لكنها مازالت "تحت سقف الوطن" ،و مستوى اللوحات أرتفع بمحتوى أعمق مما شاهدناه في العام الماضي كان وجود مازن طه كمشرف على حلقات العام الماضي أنتكاسه له، و النصوص بمثل هذه الأعمال أكثر حضورا من الإخراج، و لعله المسلسل الوحيد الذي "يعي" ماذا يدور حوله بينما تذهب بقية المسلسلات في غيبوبة، البيئة الشامية فقدت بريقها مع هبوط مريع في المستوى و الملاحظ أن مسلسلات البيئة الشامية لم تعد تشابه البيئة الشامية بل تشابه بعضها البعض و لا تكاد تخرج عن الخطوط الرئيسية التي رسمها بكل بساطة نهاد قلعي في مسلسل صح النوم، و قد يكون الآوان قد آن لنقول لهذه المسلسلات "صح النوم" البيئة الشامية الآن معفرة بالدبابات و الأشلاء و كل مستلزمات الحرب.و "الإستعمار" الفرنسي الذي تنتصر عليه كل المسلسلات الشامية أصبح "عمدة" أصدقاء الشعب السوري.
.
لعل القتال في دمشق و حلب يتوقف خلال عرض مسلسل عمر، الإهتمام جارف و الفضول أكبر منه، الجمهور التلفزيوني الذي حرم من "طلة" الأربعة الكبار بموجب فتوى رسمية، يستطيع الآن أن ينظر بالعيون المفنجره و بفتوى رسمية الى وجوه كبار الصحابة قوام أبو بكر الطويل النحيل مناسب و لكن حضورة "مقتضب" حتى الآن. أما عمر و هو بيت القصيد يبدو جميلا صوته العميق يوحي بالثقة ،لكنه يظهر بشكل متردد و سلبي من الحدث الديني و "الثوري" الذي يجري أمامه بما لا يتناسب مع حسمة المشهور. يقول ابن حبيب في المحبر بأن عُمَر و أبو الحكم بن هشام كانا من الحولان و لكن الجاحظ لا يذكر إلا ابو الحكم،و لكنهما يتفقان على أن أبو طالب عم النبي كان أعرج.يقفز المسلسل فوق "العاهات" الجسدية و يتمسك بالنص الرسمي المعروف لا يجتهد و لا يفسر و لا يؤول هو ينقل عن ابن هشام بكل دقة لا يستفيد كثيرا من الأجواء الساحرة المتاحة في المسلسل إلا كخلفية يتحدث امامها أبطال المسلسل، مع إصرار غير مبررعلى تعتيم الصورة و كأن حاتم علي يصور في كهف.
.
سورية تنتج الدراما و تستهلكها و تستورد السلاح و تستهلكة يتم توثيق المعارك بصورة غير إحترافية و على يد هواة و تخزن على اليوتيوب، مسلسل الدراما معرف البداية و النهاية يتحكم بهما القاضي الشرعي في رمضان و مسلسل المدن و الحرب و النزوح تحول الى ملحمة يحتاج الى ملاذ أرق من قسوة موقع على الأنترنت يسمى يوتيوب، و يتطلب لعرضه بكل حلقاته رمضان طويل لا تتحكم به الأهلة و لا الفتاوي الشرعية، يمكن لصائم حائر لا يقو على عمل شيء و هو يشعر بالجوع أن يصبر على دراما خائبة تدعي بأنها تسليه و تثقفه و يمكن أن يتفادى القذائف العشوائية و الموجهة و قد يجد سلوى عندما يفترش برودة الرصيف بشرط أن يحافظ رمضان على الوعد الذي قطعه على نفسه بأن لا ينتهي إلا و "العيد" معه.

14‏/07‏/2012

يلعن أبو هالدولة


"يلعن أبو هالدولة" من الجمل التي يستعملها ابو هلال ميّا بكثرة ، يقولها بوضوح و صراحة ، تخرج حروفها من فمه بجلاء و قوه دون تلجلج و لا خوف، عندما ينطق بها يحس براحةِ كاهنٍ ذبحَ للتوِ كبشاً و أكل لحمه وفاء لنذر، و على سبيل التحلية يكمل: 
....أخت هالحكم
....أم هالحكومة

المناسبات التي تندلعُ فيها هذه الشتائم كثيرة،أي خطأ مهما كان صغيرا و تافها من أي كان يجد فيه أبو هلال ميّا مناسبتهُ الخاصه للشتم،عجقة السير،الإزدحام، عدم وضوح لافتة إعلانية، أحوال الطقس، مزاج زوجته السيء، كل ذلك من محفزات شتم الدولة. يرتاح و يعرش الحبور على جثتهِ "كالمدّيدة" بعد أن يطلق شتيمه "تفش غله" ثم يسلم نفسه طائعا مختارلتخدير "الحمرا الطويله" يسحب دخانها كالشفاط و يحتفظ به أطول مدة ممكنة داخل حويصلات رئتيه. شتم الدولة عادة قديمة عند أبو هلال ميّا مثل التدخين رفض الإقلاع عن العادتين، قبضت عادة شتم الدولة على "قراصيبه" كما قبض التدخين على بلعومه.

ترك حقل ابيه غاضبا في يوم شتوي شديد البرد و قليل المطر، و نزل الى سفح الجبل الذي كان يعيش فيه ، أراد والدة أن يجبره على متابعة التعليم و العمل في الأرض، كره التعليم و كره الأرض و كره والده كذلك، فسب الجميع و أنحدر بسرعةِ إنحدار الجبل هاربا. في شعبة تجنيد المدينة كان الأمر سريعا كلمح البصر اصبح جنديا متطوعا، الشتيمة الأولى أطلقها عندما لامست الأقمشة العسكرية جسده، كان يحس بأن كومة من الشوك تتحرك بحده فوق جلدة عندها أطلق شتيمتة الأولى بصوت هامس، و كأن اشواك الألبسة العسكرية متعاطفة مع الدولة أزدادت خشونة الشوك مع إنطلاق الشتائم ثم تحولت الى انغراس مدبب لا يرحم.

رتبته العسكرية المتدنيه كانت شاهدا على رتب "شاهقة" العلو شاركت في لعبة الكراسي الموسيقية كان يسب الدولة فقط و لا يتعداها الى الأسماء، لم يكن خائفا و هو يقذف الشتائم و اللعاب من فمه فشتم الدولة لا يعن شيئاً محدداً،كان يجلس في وسط مدينة القنيطرة في الساعة الثامنه و النصف صباحا كان يشرب الشاي و يعب من دخان اللفائف الوطنية عندما اذاع الراديو نبأ سقوط القنيطرة هب واقفا و نظر حوله لم يسمع طلقة بندقية واحده و لم يرى طائرة صديقة و لا عدوة ثم جائه أمر بالإنسحاب الكيفي، جلس على كرسيه و سحق لفافة التبغ الوطنية تحت حذائه العسكري و بالفهم الملان و الرئة المسودة بدخان وطني صرخ:

إنسحاب كيفي يا ولاد .....يعني نركد ركيد...يلعن أبو هالدولة

في الحرب التالية كان ينبطح أرضا و رأسة مدفون بالتراب و أصوات القصف تحيط به من كل جانب رفع راسة قليلا و قد سرق لحظة سكون ليعرف ماذا يدور حولة، احضروهم الى هذا المكان بسيارات كبيرة كالغنم و تركوهم هناك و أنصرفوا لم يقل لهم أحد ماذا يفعلون، كان ينبطح عندما ينبطح الآخرون و يقف عندما يقفون و عندما أختفى معظم من كان معه انبطح و بقي منبطحا، عندما أصبح وحيدا أنفجر شاتما وهو يخرج لفافة من علبة السجائر وضعها في فمه و قبل أن يشعلها غاب عن الوعي.
أستفاق في المستشفى كل شيء حوله ابيض اللون و الناس يتراكضون كانت رجلة مرفوعة الى الأعلى و نصف جسده الأعلى ملفوفا بالشاش قيل له بأنه اصيب و أحد زملاءه أنقذه من موت محتم..تمتم شاتما و طلب سيجاره قيل له بأن التدخين ممنوع، لم يتحمل كلمة ممنوع صرخ شاتما بصوت عال سبُ الحكومةِ اشعل موجهه ذعر تفوق ما كان سائدا من فوضى وضعوا السيجارة في فمه و اشعلوها، عرف كلمة السر ،و كلما أراد التدخين رفع صوته بالشتم، الشرطة العسكرية التي كانت تتجول لحفظ الأمن طنشت على الشتائم، و رجال الأمن ذوو اللباس المدني أكتفوا بالنظر أليه من بعيد و الإشارة للممرضين بإعطائه ما يريد من سجائر.

يلعن ابو هالدولة.

صرخ بها عندما نجح ابنه في الشهادة الثانوية و لم يجد فرعا يقبل به نظرا لدرجاته المتدنية...و عندما أعاد السنة أملا في زيادة علاماته رسب...بصق في وجه ابنه و سب الحكومة و سحبه من يده الى شعبة التجنيد ليطوعه في الجيش

إزداد معدل السباب عندما تقاعد من الجيش بعد أن أستنفذ سنوات الخدمة و تجاوز "السن القانوني"، عمل سائق تكسي و قيادة السيارة هو العمل الوحيد الذي يتقنه، لم تكن السيارة ملكا له كان يعمل باليومية يقضي خلف المقود نصف النهار بنافذه مفتوحة و ساعدة الأيسر العاري يرتاح على حافتها و السيجارة أما في شفتية أو بين اصابعة أو تحرق نفسها ببطىء في المنفظة.
جمع مدخراته و استدان و سجل على سيارة أدعت الحكومة أنها ستستوردها و لكن المبلغ الذي سدده فقد تسعين بالمائة من قيمته و لم تأت السيارة، سب الحكومة و أنتقى وزيرا أو اثنين و شتمهمها شتما مقذعا، كان يحدث جميع ركابه عما فعلته الدولة به، كان الركاب يتعاطفون أو يتجاهلون و لكنهم جميعا ينزلون عندما يبدأ بسب الدولة:

يلعن ابو هالدولة..على ابو الي جابها بصرماي

سب الدولة عندما تعب و لم يقو على متابعة القيادة فجلس في المنزل حبيس التلفزيون و أستبداد زوجته، و سب الدولة عندما تزوج ابنه من اسيا بنت أبو فراس حموطه، يكره بيت حموطه كره شديدا من أجل ابو فراس هذا، كان يناديه استصغارا خازم، لأن خازم يملك نصف سيارة و ابنه نقيب بالجيش و ابنته اسيا موظفة بالإسكان العسكري.

سب أبو هلال الدولة أكثر عندما تجاوزت ابنته حياة سن الخامسة و الثلاثين و لم تتزوج، كان ينظر حوله و لا يجد غير الدولة ليسبها فيسب و يغوص حتى أذنية بالشتائم،لا يكاد عطشه الى السب ينتهي، ينظر الى اسيا بنت غريمه خازم تتمختر في بيته كأنها أخت السندريلا الكبرى، فيذوب قلبه على ابنته التي تكبر بسرعة دون أن تجد عريسا فيشتم اكثر.

الحمرا الطويلة التي تصنعها الدولة ملتصقة به لا يشتري علبة او علبتين يشتري كروز أو اثينين و ربما أكثر. كان "محنة" الدولة شديدة عندما فُقدت الحمرا الطويلة من الأسواق "بدون سبب معروف" لأن أبو هلال عندها أوذي في "أعز ما يملك"، كان يقضي نصف يومه يبحث عن الدخان و يسب الدولة إن وجده و إن لم يجده.

ابنه الأصغر ذو الستة عشر عاما،رزق به بعد آخر اخوته بعشر سنين يصر بأنه "جاء بالغلط" و لذلك هو شقي متمرد، كان يسرق كروزات الحمرا الطويلة و يفتحها بكل حرص و دقة يبدأ من البلاستيك الشفاف، ثم يفتح الجزء الكرتوي بطريقة التذويب، يخرج العلب كلها و يفتخ الغلاف البلاستيكي الداخلي و بكل مهارةِ صغار اللصوص يفتح ورق القصدير و يخرج من كل علبة سيجارتين و يعيد كل شيء الى مكانه الطبيعي، يتناول والده الكروز ليفتحه بحنق و غيظ دائمين، يأخذ علبة من الكروز و يفتها و عندما يكتشف النقص يصيح و كأنه قبض على لص بالجرم المشهود:
الله يلعن أبو هالدولة..وصلت معن لهون..عم يسرقوا السواكير

ترك أبو هلال ميّا التدخين منذ أمد بعيد تحت تاثير مرض تنفسي حاد و قلت حركته ثم أكتفى بلعب الطاولة بين الحين و الآخر أو بالإنزواء في أحدى زوايا البيت مراقبا، لم يكن يتحدث كثيرا كان يكتفي بالإستماع، و لكن ما أن يبدأ صوت الرصاص بالإرتفاع حتى يتمتم بحنق:

الله يلعن ابو هالدولة

تصيح زوجته ليعلو صوتها على صوت الرصاص:

سكوت بقا...هاي مو الدولة هدول المسلحين

يتجاهل ابو هلال كلماتها و يصمت منتظرا فترة سكون بين رشقة رصاص و التي تليها ليؤكد على ما قاله و بكل حزم:

يلعن أبو هالدولة 

10‏/07‏/2012

تقتلك الفئة الباغية


عمار بن ياسر اسم سينمائي لصحابي تمرد على قريش عندما قبل فورا دعوة "النبي" ، قاسى عذاب شديد من مالكية بسبب ذلك، يقول ابن اسحاق بأن "النبي" كان يمر به و يمسح راسه مهدهدا ثم قبل أن يغادره يعده بالجنة أما ابن سعد فيورد تقريرا غريبا عن لسان النبي يعده بالموت على أيدي فئة باغيه، الوعد بالموت على أيدي أئمة البغي تكررت مرتين بعد ذلك أحدها بعيد الهجرة و عند المباشرة ببناء المسجد كان عمار يتفانى في عملية نقل الحجارة، فينفض النبي الغبار عن شعره المجعد و ينظر في عينيه بود و يقول له "تقتلك الفئة الباغية"،و في المرة الثانية عند حفر الخندق كانت المحنة كبيرة و جيوش الأحزاب تقترب حاملة الموت فيتفانى عمار مرة أخرى و هنا ايضا يلاطفه النبي بمحبه واعدا اياه بأنه لن يموت إلا على أيدي أهل البغي.

المقاتل الصلب عمار بن ياسر يتحول على يد أهل الكوفة الى وال فاشل لم تخطىء فراسة عمر بن الخطاب عندما أختاره لولاية الكوفة، و لكنه أراد تقريب من قربهم النبي،كان يدرك بأن عمارا ليس برجل ولايات و لا يصلح أن يكون قائدا لكنه أراد أن يثبت ذلك لعمار نفسه ،عمر الماخوذ بشخصية "النبي" لم يشعر بحرج عندما تصرف كنبي بعد أن اصبح خليفة نبي. نسيت قريش حديث الفئة الباغية و كاد عمار أن يتحول الى كومبارس و لكن فتنة عثمان نفخت فيه روحا جديدة و سما الى ابعد مدى، لم يتردد في وصف عثمان "بنعثل" بل تجاوز ذلك الى التآمر مع المصريين عليه أختار بكل إرادته "الفئة" التي يراها مناسبة و لحق بمعسكر علي وبعد أن تجاوز التسعين عاما وجد قتيلا بين حصى صفين، جالت كلمات النبي حول الفئة الباغيه بين الصفوف المتحاربة و تحولت الى ما يشبه النجوى و أنتهت بجواب معاوية الذكي "إنما قتله من أخرجه"، رد علي "إذن نحن من قتل همزه" و لكن الرد الحاذق جاء بعد أن وقعت الفاس بالراس و أنفض أمر الحكمين، و هو قدر علي كان يأتي دائما متأخرا رغم انه بكر كثيرا في قبول دعوة "النبي".

لم يتأثر أنصار معاوية بهذا الحديث و مر مقتل عمار مرور عاديا و لم ينقص الجيش مقاتلا واحد،و على الطرف الآخر لم يزدد جيش علي إلا مقاتل واحد يدعى خزيمة بن ثابت قيل أنه كان ينتظر مقتل عمارا ليباشر الحرب، و لكنه ما لبث أن قتل هو الآخر على أيدي جيش معاوية، لم يجد المتقاتلون في صفين في هذا الحديث دلالة قاطعة على البغي تم تفسيره بطرق متعددة وفق أحكام النحو و الصرف و المنطق و الهوى و تفرغ من محتواه “الإلهامي” سلوك غريب سلكه المطلعين على الحديث و الشاهدين على مقتل عمار لم يغمدوا سيفوهم و لم يغيروا صفوفهم . ثم تأخذ مسارات المعركة منحى يبتعد عن روح الحديث عندما أصاب الجهة التي كان يقف فيها عمار التصدع ما لبثت أن انهارت تماما و دفنت تحت أنقاضها حديث الفئة الباغية بغير رحمة.

لم يكون القرآن ميالا الى التنبؤ أو قراءة المستقبل إلا في الحالات العامة من قبيل "إن تنصروا الله ينصركم"،و كذلك "النبي" لم يكن يؤسس لشخصية كاهن أو عراف لذلك ابتعد عن إطلاق مقولات تضعه بهذا الموقع، مواساة عمار بعبارة "تقتلك الفئة الباغية" تحتوي على شيء كثير من العرافة منها مصير عمار و تفتيت الجماعة الى فئات و هو الذي كان يبحث في تأسيس فئة واحدة متماسكة قوية، و المناسبات الثلاث التي قيل بأن "النبي" قال فيها هذه العباره كانت غير صالحة لمثل هذه النبؤة. الوعد بالجنة يبدو أكثر ملائمة و هو لا يعتبر نبؤة بقدر ما هو قرار و تحصيل لحاصل ،لا يمكن إستخلاص نتائج مباشرة لمقولة كهذه تبدو كأحجية مبهمة أو طلسم غير قابل للحل، و النبي ليس بحاجة الى مزيد من الغموض و خاصة مع اصحابه الأقرب.

الصدمة بمعرفة تفصيلة مهمة و خطيرة كلحظة النهاية كما يصور الحديث تشرع أبوابا كثيرة للسؤال، منها الخوف و كذلك الفضول،لم يسجل احد ممن سمع حديث "النبي" الى عمار رد عمار عند سماعة خبر مقتله، العبارة تقف عند هذا الحد و كأنها جرف جبلي تحته هاوية سحيقه، لم يسأل عمار و "متى سيكون ذلك"، و من هي تلك الفئة الباغية، لم يستحث “الحديث” أحد الفضوليين الذين أحاطوا “بالنبي” ليسأل مزيدا من التفاصيل ،فبقيت الجملة كجدارية غير قابله للفهم، و النقطة الأكثر غرابة و ربما فظاعة هي : معرفة الفئة الباغية تتوقف على قتل عمار فبمجرد أن يموت قتلا "تحديدا" يتم تحديد الباغي و عمار ذاته و هو محور الحديث لن يعرف ابدا من هو الباغي إذ يستحيل عليه أن يدرك بأنه قتل.

رغم ختم الشيخان "البخاري و مسلم" على حديث "الفئة الباغية" بدمغة "صحيح" لم يتم التعامل معه كذلك فالفئة المفترض انها باغية ليست كذلك في حكم تاريخي و كذلك أخلاقي و عمار مجرد قتيل إجتهادي قد يكون له أجرين و على الأقل أجر واحد الأمر الذي ينطبق على كل الفئات التي حضرت صفين، من قتل فيها و من خرج حيا ليحضر معركة أخرى،و لكن صعوبة التعايش مع حديث من هذا النوع استدعى تبريرات متهالكة تعتمد على أحاديث أخرى، كما استخدمته طوائف أخرى كقاعدة عقائدية تتيح لها إطلاق أحكام مبرمة بالبغي.

لم يكن في معركة صفين متسع المعركة لمقولات إعجازية، بحث كل طرف عن نصره و عن مشروعه الخاص، بل ان ابن سعد نفسه يورد بأن شخصا يدعى أبو الغادية كان يبحث عن عمار على وجه التحديد ليقتله لأنه شاهده يشتم عثمان، عثمان كان حاضرا، و علي و أهل بدر “من الطرفين”،و العصبيات و قريش و حلم جميل بالخلافة، و لعل هذا الحلم هو منتج حديث الفئة الباغية، كانت جثة عمار المقطوعة الرأس و المعفره بالتراب و التي تحمل إرثا نبويا دافئا ملهما لحديث مضغوط يحمل دلالة و عمق، و المكان مليء بالإستعداد للتلقي،و لكن التأثير كان موضعيا و محدودا في صفين و لكنه ترك ندبا غائرا في جبين التاريخ و إرثا ثقافيا للحروب الأهلية.